محمد بن أحمد التميمي المقدسي
5
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء
تصدير « البيئة » قضية العصر ، والتلوث مشكلة العالم الذي نعيش فيه . والكثيرون يعتقدون أن الأمر عصري ، وأنه ليس له ذلك الامتداد الزمني باتجاه الماضي . وهم في ذلك محقون إلى حد بعيد إذا وضعنا في الاعتبار حجم المشكلة وأبعادها الصحية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية ، لكن الكتاب الذي يقدمه معهد المخطوطات العربية يثير عددا من النقاط التي ينبغي الالتفات إليها : أولاها : أن قضية البيئة ليست بنت عالمنا في العصر الحديث . فلقد أقضّت هذه القضية مضجع العلماء منذ القديم ، وشغلت تفكيرهم ، وإن اختلفت أسباب المشكلة ، وتنوعت مظاهرها ، واختلف شكلها وحجمها . وثانيتها : أن العلماء العرب المسلمين قد التفتوا إلى مسألة المحافظة على البيئة ، والعناية بتلوث الهواء والماء تحديدا ، منذ ما يزيد على ألف عام . وثالثتها : أن المحافظة والعناية لم تقتصر عند هؤلاء العلماء على معالجات متفرقة ، وإشارات سريعة مضمّنة في ما خلفوه من تراث ، فهذا أحدهم ( محمد بن أحمد التميمي ) يؤلف كتابا مستقلّا في إصلاح فساد الهواء ، والحماية من الأوباء ، رابطا هذا وذاك بتقلبات الجو واختلاف الأزمان ، ومركزا على التدابير الوقائية الضرورية للحماية من الأمراض التي ينقلها الهواء ، وكيفية إصلاح الهواء والماء الفاسدين ، ويتجاوز ذلك فيعرض لمسألة غاية في الجدة والطرافة والخطر ، وهي تلك التي تنجم عن الاختلاطات التي تحصل بين الأمراض الجسدية والنفسية . ولو أعدنا قراءة الفقرة السابقة مرة أخرى ، فإننا سنلحظ بكثير من الإعجاب أن هذه الموضوعات ( العصرية جدّا ) يطرقها كتاب عاش مؤلفه في القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) !